محمود محمود الغراب
71
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
شيء منه مع مناسبه ، فيبقى العبد في هذا الإسراء هو لا هو ، فإذا بقي هو لا هو ، أسرى به من حيث هو ، لا من حيث لا هو ، إسراء معنويا لطيفا فيه ، لأنه في الأصل على صورة العالم ، وصورته على صورته تعالى ، فكله على صورته من حيث هو تعالى ، فإن العالم على صورة الحق « 1 » والإنسان على صورة العالم « 2 » ، فالإنسان على صورة الحق ، فإن المساوي لأحد المتساويين ، مساو لكل واحد من المتساويين ، كذلك ينظر الإنسان نفسه من حيث هو على صورة الحق « 3 » ، لا من حيث هو على صورة العالم ، وإن كان العالم على صورة الحق ، ولما كان الترتيب على ما وقع عليه الوجود ، لتأخر النشأة الجسمية الإنسانية عن العالم ، فكانت آخرا ، فظهرت في نشأتها على صورة العالم ، وما كان العالم على الكمال في صورة الحق ، حتى وجد الإنسان فيه ، فبه كمل العالم ، فهو الأول بالمرتبة والآخر بالوجود ، فالإنسان من حيث رتبته ، أقدم منه من حيث جسميته ، فالعالم بالإنسان على صورة الحق ، والإنسان دون العالم على صورة الحق ، والعالم دون الإنسان ليس على الكمال في صورة الحق ، ولا يقال في الشيء : إنه على صورة كذا ، حتى يكون هو من كل وجوهه ، إلا الذي لا يمكن أن يقال فيه هو ، فقد تميز عين كل واحد بأمر ليس هو عين الآخر ، كذلك الحق حق ، والإنسان إنسان ، والعالم عالم ، وقد بان ذلك بالتساوي ، فإنه إن لم تكن ثمّ حقيقة يقع بها تميز الأعيان ، لم يصح أن نقول كذا مساو لكذا ، بل نقول عين كذا بلا تجوز ، فإني قد أشرت إلى أمرين ، فقد وقع التمييز ، فلا بد من فصل يعقل ، لولا ذلك الفصل ما كانت كثرة في عين الواحد ، فلم يبق للواحد سوى أحديته ، التي يقال بها لا هو عين الآخر ، والذي يقال به هو عين الآخر ، هو أحدية الكثرة ، ثم قال : كل هذا هو هذا ، فأشار فكثر ، وأعاد الضمير فوحد ، فوصل وفصل ، فالفصل في عين الوصل لمن عقل ، فإذا وقف الغير على ما قدمناه ، وعلم أنه ما كان
--> ( 1 ) يعني أن العالم موجود على الصورة التي كان عليها في علم اللّه ، وهل علم اللّه ذاته أم أمر زائد ؟ فهو أمر مختلف فيه بين علماء التوحيد . ( 2 ) من حيث قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ فكل ما هو في الآفاق موجود في الإنسان ، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « أتحسب أنك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الأكبر ! » . ( 3 ) يشير إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خلق اللّه آدم على صورته » .